عبد الملك الجويني

353

نهاية المطلب في دراية المذهب

وسبب هذا أن الإقدام على القطع يحوج إلى نظرٍ دقيق لا يصدر إلا من شفيق متناهٍ في الشفقة ، وهذا يضاهي الاستصلاح بالتزويج ، فأب الأب يزوّج ابنته البكر استصلاحاً ، وإن كان يوقعها في رق الأبد ، ويزوّج من طفله . والسلطان لا يملك ذلك ؛ فإن التزويج يحتاج إلى نظرٍ دقيق مفوّض إلى الولي الخاص الشفيق ، فإذا تصوّرت الصورة ، فتمام القول أنا حيث نجوّز للرجل القطع [ أي ] ( 1 ) يقطع من نفسه نجوّز للولي أن يقطع من طفله ، وحيث لا ، فلا . وقد ذكرتُ تردّداً عند استواء الخوفين من أن الإنسان هل يقطع من نفسه ، ولعل الأظهر هاهنا ألا يقطع من طفله ، والعلم عند الله تعالى . 11230 - ونحن ننعطف بعد هذا التصوير إلى أمور في الضمان ، أما المستقل إذا أمر الغيرَ بالقطع منه ، فقطع ، وأفضى إلى الهلاك ، فقد قال الأئمة : لا ضمان على القاطع المأمور ، وهذا فيه إذا كان القطع جائزاً ، وليس كما لو أباح يده ، أو أمر بقطعها ، فقطعها إنسان ، وأفضى القطع إلى الهلاك ، فإن في ضمان النفس قولان تقدم ذكرهما ، والفرق أن القطع المسوَّغ لغرضٍ يستحيل أن يجرّ ضماناً على القاطع المأمور ، ولو قيل هذا ، لامتنع القاطعون من القطع . وأما إباحة اليد ، فلا غرض فيها ، والقطع محرم في نفسه . وأما الإمام إذا قطع من صبيٍّ سلعة حيث قلنا : لا يجوز له قطعها ، فقد قال الأصحاب : تجب الدية ، وفي القود قولان ، وإن كان يجوز للأب القطع في هذا المقام ؛ لأنه قطع قطعاً لا تقتضيه ولايته ؛ فصار كالقطع من بالغ . ثم قيل : إذا لم نوجب القود ، فالدية في ماله ، وهذا هو الظاهر ، وسبيله كسبيل من قتل إنساناً على زيّ مشرك في ديار الإسلام حسبه كافراً ، وكان مسلماً ، ففي وجوب القود قولان ، والمذهب أنا إذا أوجبنا الدية ، لم نضربها على العاقلة ، وقد قدّمتُ في ذلك فصلاً حاوياً مشبِعاً . وإذا قلنا : للأب أن يقطع ، فالذي أطلقه الأصحاب قاطبة أنه إذا قطع وأفضى إلى

--> ( 1 ) في الأصل : " أن " والمثبت تقدير منا .